الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

190

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و قُرُباتٍ - بضم القاف وضم الراء - : جمع قربة بسكون الراء . وهي تطلق بمعنى المصدر ، أي القرب وهو المراد هنا ، أي يتخذون ما ينفقون تقربا عند اللّه . وجمع قربات باعتبار تعدد الإنفاق ، فكل إنفاق هو قربة عند اللّه لأنه يوجب زيادة القرب . قال تعالى : يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [ الإسراء : 57 ] . ف قُرُباتٍ هنا مجاز مستعمل في رضى اللّه ورفع الدرجات في الجنة ، فلذلك وصفت ب عِنْدَ الدالة على مكان الدنو . و ( عند ) مجاز في التشريف والعناية ، فإن الجنة تشبّه بدار الكرامة عند اللّه . قال تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 54 ، 55 ] . و وَصَلَواتِ الرَّسُولِ دعواته . وأصل الصلاة الدعاء . وجمعت هنا لأن كل إنفاق يقدمونه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم يدعو لهم بسببه دعوة ، فبتكرر الإنفاق تتكرر الصلاة . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي على كل من يأتيه بصدقته وإنفاقه امتثالا لما أمره اللّه بقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 103 ] . وجاء في حديث ابن أبي أوفى أنه لما جاء بصدقته قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم صل على آل أبي أوفى » . ويجوز عطف صَلَواتِ الرَّسُولِ على اسم الجلالة معمولا ل عِنْدَ ، أي يتخذون الإنفاق قربة عند صلوات الرسول ، أي يجعلونه تقربا كائنا في مكان الدنو من صلوات الرسول تشبيها للتسبب في الشيء بالاقتراب منه ، أي يجعلون الإنفاق سببا لدعاء الرسول لهم . فظرف ( عند ) مستعمل في معنيين مجازيين . ويجوز أن يكون وَصَلَواتِ الرَّسُولِ عطفا على قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ، أي يتخذ ما ينفق دعوات الرسول . أخبر عن الإنفاق باتخاذه دعوات الرسول لأنه يتوسل بالإنفاق إلى دعوات الرسول إذ أمر بذلك في قوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 103 ] . وجملة : أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ مستأنفة مسوقة مساق البشارة لهم بقبول ما رجوه . وافتتحت الجملة بحرف الاستفتاح للاهتمام بها ليعيها السامع ، وبحرف التأكيد لتحقيق مضمونها ، والضمير الواقع اسم ( إنّ ) عائد إلى ما ( ينفق ) باعتبار النفقات . واللام للاختصاص ، أي هي قربة لهم ، أي عند اللّه وعند صلوات الرسول . وحذف ذلك لدلالة سابق الكلام عليه . وتنكير قُرْبَةٌ لعدم الداعي إلى التعريف ، ولأن التنكير قد يفيد التعظيم . وجملة : سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ واقعة موقع البيان لجملة إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ، لأن القربة عند اللّه هي الدرجات العلى ورضوانه ، وذلك من الرحمة . والقربة عند صلوات